الخطب المنبرية في الجُمَع البهية

مقدمة الجَامِعُ المعِينُ فِي أَدْعِيَةِ الوَحْيَيْنِ


مقدمة الجَامِعُ المعِينُ فِي أَدْعِيَةِ الوَحْيَيْنِ

إِنَّ الحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ باللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لَهُ. وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أمَّا بَعْدُ:

 فالدُّعاء له شأنٌ عظيمٌ عند الله تعالى، حيث امتنَّ به على عباده، فأمرَهُم أن يَتوجَّهوا إليه بالسُّؤال، ووعدَهُم بالإجابة والإثابة، قال الحقُّ سبحانه: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) [غافر: 60].

فلا يُمكِنُ للعبدِ أن يَستغنِيَ عنْ سُؤالِ اللهِ بحالٍ مِنَ الأحوالِ، بلْ ومَنْ في الأرضِ كلُّهُمْ جميعًا إِلاَّ وَهُوَ في أَمَسِّ الحاجةِ إِلى اسْتدعَاءِ الرَّبِّ سُبحانَه وتعالىَ، وَابتهالِه، وَطلبِ ما عندهُ مِن خيرِ الدنيا والآخرةِ، على وجهِ إظهارِ الافتقارِ والتضرعِ والرغبةِ والرهبةِ.

ومَنْ تأمَّلَ في حالِ كثيرٍ مِن المسلمين اليوم مع شأنِ الدعاء، يجدُ التقصيرَ العجيب فيه، وذلكَ راجعٌ إِلىَ الوقوعِ في مخالفاتٍ هي مانعةٌ منْ إجابةِ الدعاء، كَعدمِ إطابةِ المكسبِ، أوْ كثرةِ الذنوبِ والمعاصي، وتركِ الأمرِ بالمعروفِ والنهيِ عن المنكرِ، أو استعجالِ الإجابةِ واستبطائِها ونحوِ ذلك...، ناهيك عن إحداث أدعية لا أصل لها في الكتاب والسنة، أو ترك ما هو أولى من الدعاء المأثور، والأدهى من ذلك كلِّه ما تضمَّن لفظاً كُفرياً، أو توسُّلا بدعيًّا، أو استغاثةً شِركِيَّةً، وهذا مثلُه، معدودٌ من الاعتداءِ المحرَّم الممنوعِ واللهُ تعالى يقول: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ) [الأعراف:55 ].

ومِنهُمْ مَنْ سَلِمَ مِنْ ذلكَ جميعاً، إلاَّ أنَّه لاَ يَحفَظُ من الدُّعاء المأثورِ إلاَّ ما قلَّ، يُكرِّرُه حياتَه دائمًا، مع أنَّه يَصِحُّ الدُّعاءُ بغيرِ مَا أُثِرَ إِذا كانَ معناهُ لاَ يُناقضُ أصلاً مِنْ أصولِ الشَّرعِ، لكنَّ الأَوْلىَ وَالأفضلَ أنْ يستعينَ بدعاءِ الوحيين، فإنَّه كثيرٌ ومستفيضٌ والحمدُ لله قد جمعَ الخيرَ العظيم، وَالفضلَ العميم.

هذا، ولَمَّا كان ﷺ أعلَمَ الخلقِ بـربِّه وأفقهَ بـما ينفع وما يضُرُّ، كان اختياره ﷺ ما يدعو به ربَّه، أفضلَ من اختيارِ العبد لنفسه وذلك لكمالِ نصحهِ، ولِعِظَمِ حِرْصِهِ، وَلِكونِه أَوْلى بالمؤمنين مِنْ أنفسِهم، وأنصحَ لأنفسِهم منهم ﷺ، معَ ما كانَ يَسْتَحِبُّ مِنَ الدُّعاءِ أَجْمَعَهُ، وَاللهُ تعالىَ يقولُ في مُحكَمِ التَّنزيل:  (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ) [الأحزاب: 21].

ولأجل ذلك، كانت هذه المحاولة - بجُهدٍ مُقلٍّ - تضمَّنت جمعَ بعضِ الأدعيةِ المطلقة المأثورةِ المباركةِ من الكتابِ وصحيحِ السنةِ المُطهَّرةِ الموسومة بـ:

«الجامع المعين في أدعية الوحيين»، وكان القصدُ مِنْ هَذا الجَمع، هو تقريبه إِلى الدَّاعين علىَ وجهِ الاِختصارِ والإيجازِ، ليَكونَ سهلَ المنالِ والحفظِ واستحضارِه بيُسْرٍ في أوقاتٍ ومناسباتٍ وأوضاعٍ وأحوالٍ، هي مظانُّ إجابةِ الدُّعاءِ مِنَ اللهِ الكريمِ المنَّانِ.

سائلين اللهَ ربَّ العالمين، أن يتقبَّلَه مِنَّا بقَبولٍ حَسَنٍ وأن يجعلَه جامعًا مُعيناً للدَّاعين، وأن يُدَخِّرَ ثوابَه إلى يومِ لقائِه، يومَ لا ينفعُ مالٌ ولا بنونَ إلاَّ مَنْ أتى اللهَ بقلبٍ سليمٍ، آمين.

جمع وترتيب الأخ سمير بوقرة
الجزائر في: 09 محرم 1436 هـ

الموافق : 02 نوفمبر 2014 م