الخطب المنبرية في الجُمَع البهية

تذكيرُ الجماعة بفضائل صلاة الجماعة والترهيبِ من التخلف عنها

﴿ وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ
بسم الله الرحمن الرحيم

 تذكيرُ الجماعة بفضائل صلاة الجماعة والترهيبِ من التخلف عنها

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فقد كان اختيارُ موضوعِ الحديث في هذا اللقاء متمثلاً بعنوان:" تذكير الجماعة بفضائل صلاة الجماعة "، وإنما قلنا " تذكيرَ الجماعةِ "، وإلاَّ فإنَّ هذا الموضوعَ قد طرق سمعنا كثيرا: إمِّا في درس فقهي، أو في خطبةِ جمعة، أو قرأه بعضنا في كتاب ونحوِ ذلك من طرق الاستفادة، لذلك رأينا أن نذكِّر بهذا الموضوعِ أنفسَنا لعلَّ قلوبَنا تستيقظ من غفلتها، ولعلَّ هممَنا تتحرك للحرص على المحافظة على صلاة الجماعة في بيوت الله تعالى، وإلاَّ فكم ضُيِّع من الصلوات المكتوبة، وكم فاتت تكبيرةُ الإحرام من أجل شيء يسير من الدنيا، فضلا عن ذلك تضييع النوافل.
- فالكثير إلاَّ من عَصَم اللهُ مَن يتهاون بالصلاة في الجماعة حيث يُنادى لها، وهي حق من حقوق الله تعالى، كيف والله تعالى يقول في كتابه الكريم:﴿حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ ﴾،  وقال كذلك: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾، قال ابن كثير في تفسيره:" كونوا مع المؤمنين في أحسن أعمالهم، ومن أخصِّ ذلك وأكملِه الصلاة، وقد استدَلَّ كثيرٌ من العلماء بهذه الآية على وجوب صلاة الجماعة، " وقال ابن الجوزي:" واركعوا مع الراكعين ": أي: صَلُّوا مع المصلِّين .
ـ فالكيِّسُ الحازمُ الفطنُ مَنْ رَتَّب مُهِمَّاتِ أعمالِه، وبدأ بالأهمِّ منها، فما كان للآخرة قدَّمه على ما كان للدنيا؛ لأنَّ كلَّ المسلمين يتفقون على أنَّ الآخرة أهمُّ من الدنيا، فمن فعل ذلك سَلِمَت له آخرتُه، ولم تفته الدنيا .
ـ وقبل أن نلج رياضَ الفضائلِ لصلاة الجماعة لنجني من ثمارها اليانعة، لابدَّ أن نستوقف أنفسَنا بعضَ الوقفات الإيمانيةِ مع أعظم ركن من أركان الإسلام بعد الشهادتين، وهي فريضةِ الصلاة:
1-  الصلاةُ: صلةٌ بين العبد وربِّه، وهي معراجُ المؤمن إلى ربه، وهي غذاءٌ للمسلم لا يستغني عنه كما لا يستغني عن الطعام والشراب، لما فيها من ذكر الله ومناجاتِه، والتلذذِ بتلاوة كتابه، وتعظيمِه وتكبيرِه، وحمدِه وشكره، وسؤالِه من خيري الدنيا والآخرة، والاستغفارِ من الذنوب التي يقع فيها المسلمُ كلَّ يوم.
2ـ الصلاة: لها جسدٌ وروح، وأقوالٌ وأفعال، وسننٌ وأحكام، وبدءٌ وختام، ولها أحكامٌ على البدن، ولها أحكامٌ على العقل، وأحكامٌ على الروح .
3ـ الصلاة: تشتمل على عبودية القلب، وعبودية الجوارح والأعضاء، فلكلِّ عضو منها نصيب من العبودية، فجميع أعضاء المصلي وجوارحِه متحركةٌ في الصلاة عبودية لله، وذلاًّ له وخضوعا .
4- الصلاة: تربية وتدريبٌ للمسلم بأن لا يتحرّك أيُّ عضو من أعضائه إلاَّ امتثالاً لأمر الله ورسوله، وذلك باستخدام الأعضاء في الحياة اليومية طبقا للسنة المطهرة في مجال العبادات والمعاملات والمعاشرات والأخلاق، وعلى أيِّ حال فلا يخرج عن طاعة الله ورسوله، فيكون مطيعا وممتثلاً لأوامر ربه داخل الصلاة كما قال سبحانه:﴿ قل إنَّ صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله ربِّ العالمين * لا شريك له وبذلك أُمِرتُ وأنا أول المسلمين
5- الصلاة عمادُ الدين، وإقامتها حربٌ للشيطان، لأنَّ الشيطان يريد هدمَ الدين، فالذي لا يصلي كأنَّه رضي بهدم الدين، لأنَّ الدين قائمٌ بالصلاة، والدين كلُّه معلَّقٌ  بالصلاة، وهي الركن الثاني بعد الشهادتين .
6- ولا يحصل التفقه في الدين إلاَّ بالصلاة، ولا يُوَفَّق الإنسان للعمل الصالح إلاَّ بالصلاة، ولا يسلم من الشرور والمنكرات إلاَّ بالصلاة .
7- وتوفيق العبد يحصل له بقدر نوعية الصلاة التي يؤديها، وكلما ازداد العبد خشوعا وخضوعا في الصلاة، اتجهت إليه الرحمةُ الإلهية، فيستجاب دعاؤه، وتستقيم أحواله، وينال مراده، ويأنس بمولاه :" واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين " .
8- والناس في صلاتهم درجات، كما في إيمانهم درجات، وبحسب الإيمان تكون الرغبة في الصلاة وحضور القلب فيها:
ـ فمِن الناس لجهله لايبالي بالصلاة مطلقا ولا يفكر فيها أصلا ، وهذا قد هدم دينه .
ـ ومنهم مَن يعني بالصلاة لكنه لا يهتم بالجماعة .
ـ ومنهم من يصل جماعة ولكنه لا يهتم ولا يعتني بشروط وآداب الصلاة.
ـ ومنهم من يصلي جماعة، ويهتم بشروط الصلاة وسننها وآدابها وهذا أفضلهم .
9- والصلاة التي تؤدى دون شوق لها، وترقُّب لأوقاتها لا تُثمِر ولا تأتي بحلاوتها، فالصلاة لها جسم وروح، ولكلٍّ منهما أوامر:
*فجسم الصلاة: القيام والقعود والركوع والسجود .
*وروح الصلاة: الخشوع والخضوع والحمد والتعظيم لله، وحبته والأنس بمناجاته، والتضرع والانكسار بين يديه.
ـ فمِنَ الناس مَن يصلي صلاة الجوارح ولا يصلي صلاة القلب .
ـ ومنهم مَن يصلي صلاة القلب، ولكن يجهل في أحكام الصلاة .
10- والنجاة والفلاح: أن يصلي المسلم كما صلى النبي صلى الله عليه وسلم بقلبه وقالبه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:" صلوا كما رأيتموني أصلي "
11- وعلى المسلم حين أدائه للصلاة أن يتصف بصفات تجعله يقيم صلاته حقَّ القيام منها:
أـ أن يصلي وهو يعتقد أن هذه الصلاة خير من الدنيا وما فيها.
ب ـ أن يصلي على طريقة رسول الله صلى الله عليه وسلم في قيامه وركوعه وسجوده وإيقاع الألفاظ والأذكار في أماكنها .
ت ـ أن يصلي ابتغاء مرضاة الله تعالى لا رياء ولا سمعة .
ث ـ أن يصلي بصفة الإحسان والتوجه كأنه يرى ربه ويسمعه، فإن لم يكن يراه فإن ربَّه يراه .
ج ـ أن يصلي بصفة المجاهدة، والمجاهدة ضبط الفكر والتوجه لئلاَّ يشرد الذهن، ويفلت الفكر للدنيا، ويترك مناجاة الله .
12- وإذا كانت القلوب مُتوجهةً إلى الله في الصلاة، والأجساد مزينة بالسنن، والألسنة ناطقة بالتكبير والحمد والاستغفار، فتِحت للعبد أبوابُ السعادة في الدنيا والآخرة، وسمع الله دعاءه وأجاب سؤاله .
13- وإذا كانت الصلاة لم تحل مشاكل الدنيا الفانية الصغيرة فلا يمكن لها أن تحل مشاكل العبد في الدار الآخرة الدائمة الكبيرة: ﴿فويل للمصلين * الذين هم في صلاتهم ساهون * الذين هم يراءون * ويمنعون الماعون﴾.
14- وعليه، فإنَّ معنى إقامة الصلاة التي أمر الله بها في كتابه، وأمر بها النبي صلى الله عليه وسلم في سنته هي:
·                        توجُّهُ العبدِ بكُليَّته إلى ربه ظاهرا وباطنا، جسما وعقلا وروحا. و لا يتأتى ذلك إلاَّبإقامتها مع جماعة المسلمين حيث ينادى لها في بيوت الله سبحانه وتعالى

- فصلاة الجماعة واجبة على الرجال، وفيها لهم من المنافع والمصالح الدينية والدنيوية ما يعز على الحصر، ولها في دين الله عز وجل فضائل عظيمة، ورتب عليها أجور كثيرة:
1- فصلاة الجماعة تفضُل بسبعٍ وعشرين صلاةً فُرادى: فالمصلي مع جماعة يحصل له من صلاة الجماعة مثلُ أجر صلاة المنفرد سبع وعشرين مرة:
ـ لحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "صلاةُ الجماعة تفضل صلاةَ الفذِّ بسبعٍ وعشرين درجة". ولفظ مسلم: "صلاة الجماعة أفضلُ من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة".
ـ وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "تفضل صلاة في الجميع على صلاة الرجل وحده خمساً وعشرين درجة". قال: "وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر". قال أبو هريرة: "واقرأوا إن شئتم: {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا}، وفي لفظ: "بخمس وعشرين جزءًا". والجزء والدرجة بمعنى واحد.
- وقد جمع العلماء بين روايتي الخمس والعشرين والسبع والعشرين بوجوه، ولعل أوجَهَهَا:  أنه يختلف باختلاف أحوال المصلين والصلاة، فيكون لبعضهم خمسٌ وعشرون، ولبعضهم سبعٌ وعشرون بحسب كمال الصلاة ومحافظته على هيآتها وخشوعها وكثرة جماعتهم وفضلهم وشرف البقعة ونحو ذلك... والعلم عند الله تعالى .
2- يعصم الله بالصلاة مع الجماعة من استيلاء الشيطان واستحواذه وتسلُّطه:
فقد روى أبو داود بسند حسن عن مَعدانَ بنِ أبي طلحة اليَعمُري عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما من ثلاثة في قريةٍ ولا بدوٍ لا تقام فيهم الصلاة [ أي الجماعة ]، إلا قد استحوذ عليهم الشيطان [أي: استولى عليهم وتسلَّط عليهم وحوَّلهم إليه]، فعليكم بالجماعة [ أي: الزموا ما عليه جماعةُ أهلِ الحق في كل شيء، ومن ذلك الجماعة في الصلاة ]، فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية"،[ أي: الشاة البعيدة عن الأغنام لبعدها عن راعيها]. وقد ترجم ابن حبان في صحيحه لهذا الحديث بقوله:" ذكرُ استحواذ الشيطان على الثلاثة إذا كانوا في بدو أو قرية ولم يُجمّعوا الصلاة" .
3- يزيد فضل الصلاة مع الجماعة بزيادة عدد المصلين:
- لما رواه أبو داود والنسائي من حديث أبيّ بن كعب رضي الله عنه، وفيه: "...إنَّ صلاةَ الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاتَه مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وما كثُر فهو أحبُّ إلى الله عز وجل".
4- تُكتبُ براءةٌ من النار وبراءةٌ من النفاق لمن صلَّى لله أربعين يوماً في جماعة يُدرِكُ تكبيرةَ الإحرام: أخرج الترمذي بسند حسن من حديث أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صلَّى لله أربعين يوماً في جماعة يدرك التكبيرة الأولى كُتِبَ له براءتان: براءة من النار، وبراءة من النفاق"
* وهذا فيه فضل تحقيق الإخلاص في الصلاة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "من صلى لله": أي خالصاً لله تعالى، ومعنى: "براءة من النار": أي نجاة وخلاص منها، وكتب له "براءة من النفاق": أي يُؤمِنُه في الدنيا أن يعمل عملَ المنافق ويُوفِّقه لعمل أهل الإخلاص، وفي الآخرة يُؤمِنُه مما يعذَّبُه المنافق، ويشهد له بأنه غير منافق، يعني: بأنَّ المنافقين إذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى وحال هذا بخلافهم.
5- من صلى الصبح في جماعة فهو في ضمان الله وأمانِه حتى يمسي:
أخرج مسلم من حديث جندب بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صلى الصبح فهو في ذمة الله [ في ضمان الله، وقيل: أمان الله]، فلا يطلبنَّكم اللهُ مِن ذِمته بشيء؛ فإنه من يطلبه من ذمته بشيء يُدركه ثم يُكِبُّه[ يُقلِبه فيها على وجهه] في نار جهنم".
* فَمَنْ من صلَّى الصبح فهو في أمان الله، وفي جواره، فهو قد استجار بالله تعالى، والله قد أجاره، فلا ينبغي لأحد أن يتعرض له بضر أو أذى، فمن فعل ذلك فاللهُ يَطلُبُه بحقه، ومن يطلبه لم يجد مَفرّاً ولا مَلجأً، وهذا وعيدٌ شديدٌ لمن يتعرضُ للمصلين، وترغيبٌ في حضور صلاة الصبح. وقد جاءت بعض الأخبار تقيد ذلك بصلاة الصبح مع الجماعة.
6- ومن صلى الفجر في جماعة ثم جلس يذكر الله حتى تطلع الشمس فله أجر حجة وعمرة: روى الترمذي في سننه بسند حسن من حديث أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صلى الفجر في جماعة، ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين كانت له كأجر حجة وعمرة: تامة، تامة، تامة".
7- عِظم ثواب صلاة العشاء والصبح في جماعة:
أخرج مسلم من حديث عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما صلى الليل كله".
 * و المراد بذلك من صلى الصبح في جماعة وقد صلى العشاء في جماعة فكأنما صلى الليل كله، ويدل على ذلك لفظ أبي داود: "من صلى العشاء في جماعة كان كقيام نصف ليلة، ومن صلى العشاء والفجر في جماعة كان كقيام ليلة". واختار هذا المنذري، وأن اجتماعهما في صلاة الجماعة بالمسجد كقيام ليلة.
8- اجتماع ملائكة الليل والنهار في صلاة الفجر والعصر:
 أخرج الشيخان من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم، فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم، كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهو يصلون، وأتيناهم وهو يصلون".
 ـ قال الإمام النووي رحمه الله "ومعنى يتعاقبون: تأتي طائفة بعد طائفة، ومنه تعقب الجيوش، وهو أن يذهب إلى ثغرٍ قومٌ ويجيء آخرون، وأما اجتماعهم في الفجر والعصر فهو من لطف الله تعالى بعباده المؤمنين، وتكرمتِه لهم أن جعل اجتماعَ الملائكة عندهم، ومفارقتَهم لهم في أوقات عباداتهم واجتماعهم على طاعة ربهم، فيكون شهادتهم لهم بما شاهدوه من الخير". والأظهر وهو قول الأكثرين أن هؤلاء الملائكة هم الحفظة الكتّاب، وقيل: يحتمل أن يكونوا من جملة الملائكة غير الحفظة. والله أعلم.
ـ وعن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: كنا جلوساً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظر إلى القمر ليلة البدر فقال: "إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تضامُون: [لا تضامون: أي لا يلحقكم ضيم وهو المشقة، وفي رواية بتشديد الميم (تُضامُّون: أي لا ينضم بعضكم إلى بعض بل كلٌّ يراه منفرداً، وجاء "هل تضارُّن" أي: لا تضارن غيركم في حالة الرؤية، وكل هذا صحيح. انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، 3/18]. في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا" يعني الفجر والعصر، ثم قرأ جرير: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ}. متفق عليه .
ـ وقد ثبت الفضل العظيم لمن حافظ على صلاة الفجر والعصر مع الجماعة، فقد أخرج مسلم عن أبي بكر بن عمارة بن رؤيبة عن أبيه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لن يلج النارَ أحدٌ صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها" يعني الفجر والعصر .
ـ وعنه رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من صلى البَردين دخل الجنة"، وهما: الصبح والعصر.
ـ وقد جاء الوعيد الشديد لمن ترك صلاة العصر، أو فاتته: فعن بريدة رضي الله عنه أنه قال لأصحابه في يوم ذي غِيَم: بكِّروا بصلاة العصر؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله"متفق عليه.
ـ وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الذي تفوته صلاة العصر فكأنما وُتِرَ أهلُهُ وماله" متفق عليه، [ وُتِرَ أهلُهُ ومالُه] أي: نُزع وأُخذ، وهذا حاصلٌ لمن يؤخرُها إلى أن تصفرَّ الشمس فلم يصلها في الوقت المختار من غير عذر شرعي.
9- يَعجَبُ اللهُ تعالى من الصلاة في الجماعة؛ لمحبته لها سبحانه:
أخرج أحمد في مسنده بسند حسن عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله ليعجب من الصلاة في الجميع" فَما أسعد مَنْ عَمِل عملا يَعْجَبُ منه خالقُه ربُّ السموات والأرض.
* وهذا العَجَبُ يليق بالله تعالى، ولا يُشبه فيه أحداً من خلقه؛ لأن عَجَبه سبحانه ليس كعجب خلقه، {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [سورة الشورى، الآية:11].
10- منتظر الصلاة مع الجماعة هو في صلاة، مع دعاء الملائكة له بالمغفرة والرحمة، قبل الصلاة وبعدها مادام في مصلاه:
 أخرج الشيخان لمن حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يزال العبد في صلاة ما كان في مصلاه ينتظر الصلاة، وتقول الملائكة: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، حتى ينصرف أو يُحدِث". قلت: ما يحدث؟ قال: "يفسو أو يضرط". وفي لفظ لمسلم: "والملائكة يصلون على أحدكم مادام في مجلسه الذي صلَّى فيه يقولون: اللهم ارحمه، اللهم اغفر له، اللهم تب عليه، ما لم يؤذ ما لم يحدث". وقوله: "ما لم يؤذ" أي: ما لم يصدر عنه ما يتأذى به بنو آدم والملائكة، والله أعلم.
يقول الشيخ ابن باز رحمه الله: "والملائكة تصلي عليه في مصلاه، قبل الصلاة في المسجد، وبعدها مادام في مصلاه، ما لم يؤذِ بغيبة أو نميمة، أو كلام باطل، وما لم يحدث".
11- حصول فضل الصف الأول في صلاة الجماعة، وفضلِ وصلِها، ثبت في ذلك فضائلُ كثيرة منها ما يأتي:
الفضل الأول: القرعة على الصف الأول وأنه مثل صف الملائكة: لحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا.." البخاري ومسلم،  وفي رواية لمسلم: "لو تعلمون أو يعلمون ما في الصف المقدم، لكانت القرعة".
ـ وقد ثبت أنَّ الصف الأول على مثل صف الملائكة؛ لحديث أبيّ بن كعب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم وفيه: "...وإن الصف الأول على مثل صف الملائكة، ولو علمتم ما فيه لابتدرتموه" رواه أبو داود بسند حسن .
ـ ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم: "على مثل صف الملائكة..." [ أي: في القرب من الله  عز وجل، ونزولِ الرحمة، في إتمامه واعتداله، كما يستفاد منه: أن الملائكة يصفون لعبادة الله تعالى]، وقد جاء ذلك صريحاً عن جابر رضي الله عنه قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "ألا تصفون كما تصف الملائكةُ عند ربها؟" فقلنا: يا رسول الله، وكيف تصُفُّ الملائكة عند ربها؟ قال: "يُتمون الصفوفَ الأوَّلَ ويتراصُّون في الصف".
الفضل الثاني: الصف الأول خير من الصفوف الأخيرة: لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خيرُ صفوف الرجال أوَّلُها، وشرُّها آخرُها، وخيرُ صفوف النساء آخرُها وشرُّها أولها" مسلم.
الفضل الثالث: الله تعالى وملائكته يُصلُّون على الصفوف الأول، والصفِّ المقدم أكثرها صلاة: أخرج أحمد بسند حسن من حديث أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنَّ الله وملائكته يصلون على الصف الأول" قالوا: يا رسول الله، وعلى الثاني؟ قال: "إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول"، قالوا: يا رسول الله وعلى الثاني؟ قال: "وعلى الثاني" .
[وصلاة الله تعالى: ثناؤه عليهم عند الملائكة، وصلاة الملائكة والنبي صلى الله   عليه وسلم، وسائر الناس: الدعاء والاستغفار].
ـ وأخرج أحمد بسند حسن عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله عز وجل وملائكته يصلون على الصف الأول، أو الصفوف الأولى".
ـ وأخرج النسائي وابن ماجه بسند صحيح عن البراء بن عازب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: "إن الله وملائكته يصلون على الصفوف المتقدمة".
الفضل الرابع: النبي صلى الله عليه وسلم صلى على الصف الأول ثلاثاً، وعلى الثاني مرة واحدة: أخرج النسائي وابن ماجه وغيرهما بسند صحيح من حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كان يصلي على الصف الأول ثلاثاً، وعلى الثاني واحدة". ولفظ ابن ماجه: "كان يستغفر للصف المقدم ثلاثاً، والثاني مرة".
الفضل الخامس: من وصل صفّاً وصله الله برحمته وجنته ورضوانه، وعليه صلاة الله تعالى وملائكته: أخرج ابن ماجه بسند صحيح من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله وملائكته يصلون على الذين يَصِلُون الصفوف، ومن سَدَّ فرجة رفعه الله بها درجة".
ـ وأخرج النسائي بسند صحيح عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من وصل صفّاً وصله الله، ومن قطع صفّاً قطعه الله عز وجل".
12- مغفرةُ الله ومحبتُه لمن وافق تأمينُه تأمينَ الملائكة:
أخرج الشيخان من حديث أبي هريرة  رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا أمَّن الإمام فأمِّنوا؛ فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه".
ـ ولحديثه الآخر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا قال الإمام: غير المغضوب عليهم ولا الضالين، فقولوا: آمين؛ فإنه من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه"البخاري ومسلم
ـ ولحديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه وفيه: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبنا فبين لنا سنتنا، وعلمنا صلاتنا، فقال: "إذا صليتم فأقيموا صفوفكم، ثم ليؤمكم أحدكم، فإذا كبَّر فكبِّروا، وإذا قال: غير المغضوب عليهم ولا الضالين، فقولوا: آمين يحبكم الله" أخرجه مسلم .
فضل المشي إلى صلاة الجماعة :
والمشي لأداء الصلاة جماعة من أعظم الطاعات، وقد ثبت في ذلك فضائل عظيمة كثيرة، منها:
1- شديدُ الحبِّ لصلاة الجماعة بالمسجد في ظل الله يوم القيامة:
 لحديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "سبعة يظلهم الله تعالى في ظله يوم لا ظلَّ إلا ظله: ـ وذكرـ، ورجل قلبه معلق في المساجد ". وفي لفظ لمسلم: "ورجل معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه " أخرجه البخاري ومسلم .
ـ وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله: "معلق في المساجد": وظاهره أنه من التعليق، كأنه شبهه بالشيء المعلق في المسجد، كالقنديل مثلاً، إشارة إلى طول الملازمة بقلبه وإن كان جسده خارجاً عنه.
2- المشيُ إلى صلاة الجماعة ترفع به الدرجات، وتحط الخطايا، وتكتب الحسنات:
 لحديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: "وما من رجل يتطهر فيحسن الطهور ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد إلا كتب الله لها بكل خطوة يخطوها حسنة، ويرفعه بها درجة، ويحط عنه بها سيئة..."رواه مسلم .
ـ ولحديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا وفيه: "... وذلك أن أحدكم إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة، لم يخطو خطوة إلا رُفِعَ له بها درجة، وحُط عنه بها خطيئة..."رواه البخاري ومسلم .
ـ وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من تطهر في بيته ثم مشى إلى بيت من بيوت الله؛ ليقضي فريضة من فرائض الله كانت خطواته: إحداهما تحط خطيئة، والأخرى ترفع درجة"رواه مسلم .
3- يُكتب له المشي إلى بيته كما كتب له المشي إلى الصلاة، إذا احتسب ذلك:
 لحديث أبي بن كعب رضي الله عنه قال: كان رجلٌ لا أعلم رجلاً أبعدَ مِنَ المسجد منه، لا تُخطِئه صلاةٌ، قال: فقيل له أو قلت له: لو اشتريت حماراً تَركبُه في الظلماء، وفي الرمضاء؟ قال: ما يسرني أن منزلي إلى جنب المسجد، إني أريد أن يكتب لي ممشاي إلى المسجد ورجوعي إذا رجعت إلى أهلي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قد جمع الله لك ذلك كله". وفي لفظ: "إن لك ما احتسبت"رواه مسلم .
قال الإمام النووي رحمه الله: "فيه إثباتُ الثواب في الخطا في الرجوع كما يثبت في الذهاب".
ـ وعن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أعظم الناس أجراً في الصلاة أبعدُهم إليها ممشى، فأبعدُهم، والذي ينتظر الصلاةَ حتى يُصليَها مع الإمام أعظمُ أجراً مِنَ الذي يصليها ثم ينام" أخرجه البخاري ومسلم .
ـ وعن جابر رضي الله عنه  قال: خلت البقاع حول المسجد، فأراد بنو سَلِمة ـ وهي قبيلة معروفة من الأنصار ـ أن ينتقلوا إلى قرب المسجد، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لهم: "إنه بلغني أنكم تريدون أن تنتقلوا قرب المسجد" قالوا: نعم، يا رسول الله، قد أردنا، فقال: "يا بني سلمة، ديارَكُم تُكتَبُ آثارُكم، ديارَكُم تُكتَب آثارُكم"متفق عليه .
ومعنى الحديث: كما قال النووي:" معناه: إِلزموا دياركم فإنكم إذا لزمتموها كُتِبت آثارُكم وخطاكم الكثيرة إلى المسجد".
- وقد ذكر أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أنَّ قول النبي صلى الله عليه وسلم لبني سلمة بالبقاء في أماكنهم البعيدة عن المسجد كان بعد نزول الآية الكريمة: ﴿إنا نحن نُحيي الموتى ونكتب ما قدَّموا وآثارهم﴾، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" إنَّ آثاركم تُكتب فلا تنتقوا" والحديث في صحيح سنن الترمذي .
4- المشي إلى صلاة الجماعة تمحى به الخطايا:
 لحديث أبي هريرة  رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات؟ " قالوا: بلى يا رسول الله، قال: "إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط" أخرجه مسلم .
ـ [ محو الخطايا ]: كناية عن غفرانها، ويحتمل محوها من كتاب الحفظة، ويكون دليلاً على غفرانها، و[ رفع الدرجات ]: أعلى المنازل في الجنة، و [ إسباغ الوضوء ]: تمامه، و [المكاره]: تكون بشدة البرد، وألم الجسم، ونحو ذلك، وكثرة الخطا: تكون ببعد الدار وكثرة التكرار، [والرباط في الأصل كما قال ابن الأثير: الإقامة على جهاد العدو بالحرب، وارتباط الخيل وإعدادها، فشبَّه صلى الله عليه وسلم به مَا ذُكِر من الأفعال الصالحة والعبادة].
5- المشي إلى صلاة الجماعة بعد إسباغ الوضوء تغفر به الذنوب:
لحديث عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من توضأ للصلاة فأسبغ الوضوء ثم مشى إلى الصلاة المكتوبة فصلاها مع الناس، أو مع الجماعة، أو في المسجد غفر الله له ذنوبه" رواه مسلم
6- إعداد الله تعالى الضيافة في الجنة لمن غدا إلى المسجد أو راح كلما غدا أو راح:
 لحديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله له في الجنة نزلاً كلما غدا أو راح"متفق عليه .
وأصل "غدا": خرج بِغَدْوٍ، أي: أتى مبكراً، و "راح": رجع بعَشِيٍّ، ثم قد يُستعملان في الخروج والرجوع مطلقاً توسعاً، و "أعدَّ" هيأ، و"النزل" ما يُهيأ للضيف من الكرامة عند قدومه، ويكون ذلك بكل غدوة أو روحة،  وهذا فضل الله تعالى يؤتيه من قام بهذا الغدو والرواح، تعد له في الجنة ضيافة بذهابه، وضيافة برجوعه.
7- من ذهب إلى صلاة الجماعة فسُبق بها وهو من أهلها فله مثل أجر من حضرها:
  روى أبو داود بسند صحيح لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من توضأ فأحسن الوضوء، ثم راح فوجد الناس قد صلوا أعطاه الله عز وجل مثل أجر من صلاها وحضرها لا ينقص ذلك من أجرهم شيئاً"
8- من تطهر وخرج إلى صلاة الجماعة فهو في صلاة حتى يرجع إلى بيته:
 لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا توضأ أحدكم في بيته ثم أتى المسجد كان في صلاة حتى يرجع، فلا يقل: هكذا" وشبك بين أصابعه[ أخرجه ابن خزيمة، والحاكم وصححه وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، 1/118].
9- أجر من خرج إلى صلاة الجماعة متطهراً كأجر الحاج المحرم:
 روى أبو داود بسند صحيح من حديث أبي أمامة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من خرج من بيته متطهراً إلى صلاة مكتوبة فأجره كأجر الحاج المحرم".
10- الخارج إلى صلاة الجماعة ضامن على الله تعالى:                                       
 روى أبو داود بسند صحيح من حديث أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ثلاثةٌ كلُّهم ضامنٌ على الله عز وجل: رجل خرج غازياً في سبيل الله عز وجل فهو ضامن على الله حتى يتوفاه فيدخله الجنة أو يرده بما نال من أجر وغنيمة، ورجل راح إلى المسجد فهو ضامن على الله حتى يتوفاه فيدخله الجنةَ أو يردُّه بما نال من أجر وغنيمة، ورجل دخل بيته بسلام فهو ضامن على الله عز وجل".
ـ وهذا من فضل الله عز وجل أن جعل كل واحد من هؤلاء الثلاثة في ضمانه  عز وجل حتى يجزيَه الجزاءَ الأوفى؛ فإن معنى "ضامن" أي: مضمون، أما قوله صلى الله عليه وسلم: "ورجل دخل بيته بسلام" فيحتمل وجهين كما ذكر أهل العلم:
الوجه الأول: أن يسلم إذا دخل منزله.
الوجه الثاني: أن يكون أراد بدخول بيته بسلام: أي لزوم البيت طلب السلامة من الفتن، يرغب بذلك في العزلة ويأمره بالإقلال من الخلطة, وهذا عند ظهور الفتن وخشية المسلم على دينه، أما مع الأمن من ذلك فالمؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم ويدعوهم إلى الله أعظم أجراً من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم والله أعلم.
11- اختصام الملأ الأعلى في المشي على الأقدام إلى صلاة الجماعة:
 لحديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه: أن الله تعالى قال للنبي صلى الله عليه وسلم في المنام: "... يا محمد هل تدري فيما يختصم(1) الملأ الأعلى(2)؟ قلت: نعم، في الكفارات: المكث في المسجد بعد الصلاة، والمشي على الأقدام إلى الجماعات، وإسباغ الوضوء في المكاره، ومن فعل ذلك عاش بخير، ومات بخير، وكان من خطيئته كيوم ولدته أمه..."رواه الترمذي وهو صحيح .
(1) واختصامهم: عبارة عن تبادرهم إلى ثبات تلك الأعمال والصعودِ بها إلى السماء، وإما عن تقاولهم في فضلها وشرفها، وإما عن اغتباطهم الناس بتلك الفضائل، لاختصاصهم بها وتفضلهم على الملائكة بسببها مع تهافتهم في الشهوات، وإنما سماه مخاصمة؛ لأنه ورد مورد سؤال وجواب، وذلك يشبه المخاصمة والمناظرة، فلهذا السبب حَسُن إطلاق لفظ المخاصمة عليه.
(2) الملأ الأعلى: الملائكة المقربون، والملأ: هم الأشراف الذين يملئون المجالس والصدور عظمة وإجلالاً، وَوُصِفُوا بالأعلى إما لعُلوِّ مكانتهم عند الله تعالى، وإما لعلو مكانهم. تحفة الأحوذي للمباركفوري، 9/3.
12- المشي إلى صلاة الجماعة من أسباب السعادة في الدنيا والآخرة:
لقوله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث: "فمن فعل ذلك عاش بخير ومات بخير"، ولقول الله تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [سورة النحل، الآية: 97].
13- إكرام الله تعالى لزائر المسجد: روى الطبراني في الكبير بسند صحيح من حديث سلمان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من توضأ في بيته ثم أتى المسجد فهو زائر لله، وحقٌ على المزُور أن يكرم الزائر".
ـ وأخرج بإسناده ابن جرير في جامع البيان، 19/ 189 وعن عمرو بن ميمون رحمه الله قال: أدركت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يقولون: " المساجد بيوت الله وإنه حق على الله أن يكرم من زاره" .
14- فرح الله تعالى بمشي عبده إلى المسجد متوضياً:
أخرج ابن خزيمة بسند صحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يتوضأ أحد فيحسن وضوءه ويسبغه ثم يأتي المسجد لا يريد إلا الصلاة فيه، إلا تبشبش الله إليه كما يتبشبش أهل الغائب بطلعته".
وقد بوَّب الإمام ابن خزيمة على هذا الحديث بقوله: "باب ذكر فرحِ الرب تعالى بمشي عبده إلى المسجد متوضياً"، وجميع صفات الله تعالى تثبت على الوجه اللائق به عز وجل.
15- النور التام يوم القيامة لمن مشى في الظلم إلى المساجد: لحديث بريدة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة"(3). رواه أبو داود والترمذي وهو صحيح.

الترهيب لمن تخلَّف عن صلاة الجماعة:
1- قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ ﴾ ووجه الدلالة: أنَّ الله عاقب مَن لم يُجب المؤذنَ فيصلي مع الجماعة بأن حال بينهم وبين السجود يوم القيامة .
- قال ترجمان القرآن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في تفسير الآية:" كانوا يسمعون الأذان والنداء للصلاة فلا يُجيبون ".
- قال سعيد بن جبير :" كانوا يسمعون: حيَّ على الفلاح، فلا يجيبون ".
- قال إبراهيم النخعي:" أي يُدْعون بالأذان والإقامة فيأبونه " .
- يقول ابن القيم :" وقد قال غير واحد من السلف في قوله تعالى:" وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ" ، وهو قول المؤذن:" حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، قال: وهذا دليل مبني على مقدمتين:
إحداها: أنَّ هذه الإجابة واجبة.
والثانية: لا تحصل إلاَّ بحضور الصلاة في الجماعة، وهذا الذي فهمه أعلم الأمة وأفقههم من الإجابة وهم الصحابة رضي الله عنهم "  
2 ـ هَمُّ النبي صلى الله عليه وسلم بتحريق البيوت على المتخلفين عن صلاة الجماعة:
 فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد ناساً في بعض الصلوات فقال: "لقد هممت أن آمر رجلاً يصلي بالناس، ثم أُخالف - أي أذهب إليهم - إلى رجالٍ يتخلَّفون عنها فآمر بهم فيحرقوا عليهم بحزم الحطب بيوتهم، ولو عَلِمَ أحدهم أنه يجد عظماً سميناً لشهدها". وهذا لفظ مسلم، ولفظ البخاري: "والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر بحطب ليحطب، ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها، ثم آمر رجلاً فيؤم الناس، ثم أخالف إلى رجالٍ فأحرِّق عليهم بيوتهم، والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عَرْقاً سميناً- العرق: العظم بما عليه من بقايا اللحم بعدما أخذ عنه معظم اللحم- أو مرماتين حسنتين- المرماة: قبل هو ما بين ظلفي الشاة، وقيل: سهمان يرمي بهما الرجل-  لشهد العشاء". وفي لفظ مسلم: "إن أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتموهما ولو حبواً، ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتُقام، ثم آمر رجلاً فيصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قومٍ لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار".
4- وقد بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم أن من سمع النداء فلم يأته فلا صلاة له: فعن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من سمع النداء فلم يأته فلا صلاة له إلا من عذر" رواه ابن ماجه وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه وصحيح سنن الترمذي.
قال الألباني في تمام المنة:" فالحديث يدل على وجوب حضور صلاة الجماعة وأنه لا يجوز تركها،  قال: والحديث صريح أنه لايجوز التخلف عنها إلاَّ لعذر ".
- ومعنى: " لا صلاة له" : أي لا صلاة كاملة بل ناقصة، والجمهور على الإجزاء .
تارك صلاة الجماعة مُتوعَّدٌ بالختم على قلبه: لحديث ابن عباس وابن عمر  رضي الله عنهم أنهما سمعا النبي صلى الله عليه وسلم يقول على أعواده- أي على المنبر الذي اتخذه من الأعواد- : "لَينتهِيَنَّ أقوامٌ عن وَدْعهم- أي تركهم- الجماعات أو ليختمن الله على قلوبهم، ثم ليكوننَّ من الغافلين" [ رواه ابن ماجه، كتاب المساجد والجماعات، باب التغليظ في التخلف عن الجماعة، برقم 794، وصححه العلامة الألباني في صحيح سنن ابن ماجه، 1/132، والحديث أخرجه مسلم، برقم 865 لكنه بلفظ: "الجُمُعات"] وهذا التهديد لا يكون إلا على ترك واجب عظيم.
4- تركُ صلاة الجماعة من علامات المنافقين ومن أسباب الضلال:
روى مسلم عن عبد الله بن مسعود  رضي الله عنه قال: "مَنْ سرَّه أن يلقى الله تعالى غداً مسلماً فليحافظ على هؤلاء الصلوات، حيثُ ينادى بهِنَّ؛ فإن الله شرع لنبيكم سنن الهدى- أي طرائق الهدى والصواب - وإنهنَّ من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، وما من رجل يتطهر فيحسن الطهور ثم يعمد إلى مسجدٍ من هذه المساجد إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة، ويرفعه بها درجة، ويحط عنه بها سيئة، ولقد رأيتُنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يُهادى بين الرجلين- أي يمسكه رجلان من جانبيه بعضديه يعتمد عليهما- حتى يقام في الصف"
أحوال مَن سبقنا وأخبار مَن سلفنا مِنَ الصالحين في المحافظة على صلاة الجماعة:
     إنَّ سلفَنا الصالح قد أدركوا أهميةَ المشي إلى المساجد، وحضورَ الجماعة، وعَلِموا ما رُتِّب على ذلك من عظيم الثواب والجزاء، فجعلوا ذلك من أهم أعمالهم، لا يُقدِّمون عليه أمرا من أمور الدنيا مهما علا شأنه، وبعضهم قد عذرهم الله تعالى في ذلك لمرض مقعد، أو كبر معجز، وما تركوا المشي إلى المساجد، وحضور صلاة الجماعة يبتغون الأجر من الله تعالى على ذلك منهم:
 ـ محمد بنُ علي الحفارِ الغرناطي رحمه الله تعالى، قال ابن الخطيب: " قد بقى الحفار نحوا من عامين أو أزيد يخرج للصلوات الخمس يهادى بين رجلين لشيء كان برجله حتى كان بعض أصحابه يقول: الحفار حجة الله على من لم يحضر الجماعة.
ـ وكان الربيع بن خيثم رحمه الله تعالى يقاد إلى الصلاة، وكان به الفالج فقيل له: يا أبا يزيد، إنه قد رخص لك في ذلك، قال: إني أسمع حي على الصلاة،حي على الفلاح، فإن استطعتم أن تأتوها ولو حبوا.
ـ ومن عجز منهم عن المشي إلى المسجد كان يستأجر من يحمله إلى المسجد لحضور الجماعة يبتغي الأجر على ذلك كما وقع للعالِم المالكي ابنِ خفيف رحمه الله تعالى إذ كان به وجع الخاصرة فكان إذا أصابه أقعده عن الحركة فكان إذا نودي بالصلاة يحمل على ظهر رجل، فقيل له: لو خففت على نفسك، فقال رحمه الله تعالى: إذا سمعتم حي على الصلاة ولم تروني في الصف فاطلبوني في المقبرة.
- قال القاريُّ رحمه الله تعالى :" كان السلف إذا فاتتهم أي: تكبيرة الإحرام عزُّوا أنفسهم ثلاثة أيام، وإذا فاتتهم الجماعة عزُّوا أنفسهم سبعة أيَّامٍ " .
ـ وربما أحس بعضهم بالموت قبل الصلاة فآثر أن يخرج إلى الجماعة ليشهدها، ويموت في المسجد كما وقع ذلك لعامر بن عبد الله بن الزبير رحمه الله تعالى إذ سمع المؤذن وهو يجود بنفسه ومنزله قريب من المسجد، فقال: خذوا بيدي، فقيل له:أنت عليل فقال: أسمع داعي الله فلا أجيبه؟! فأخذوا بيده فدخل في صلاة المغرب فركع مع الإمام ركعة ثم مات رحمه الله.
ـ وهذا عدي بن حاتم يقول:" ما جاء وقت صلاةٍ قط إلاَّ وقد أخذت لها أهبتها، وما جاءت إلاَّ وأنا إليها بالأشواق".
ـ وحين نزلت بسعيد سكرات الموت، وقف عند رأسه بُنيَّاته يبكين فراقه ووداعه، فقال لهنَّ:" أحسِنَّ الظنَّ بالله، فواللهِ ما فاتتني تكبيرة الإحرام في هذا المسجد منذ أربعين سنة " .
ـ وهذا سعيد بن عبد العزيز التنوخي إمام الشام في عصره: كان إذا فاتته صلاة الجماعة بكى رحمه الله .
ـ ومن علوِّ همة السلف: تأديب أبناءهم على التأخر عن صلاة الجماعة:
ذكر الذهبي في السير:" عن يعقوبَ عن أبيه، أنَّ عبد العزيز بنِ مروانَ بعث ابنه عمرَ إلى المدينة، يتأدَّب بها، وكتب إلى صالح بن كيسان يتعاهده، وكان يُلزمه الصلوات، فأبطأ يومًا عن الصلاة، فقال: ما حبسك؟ قال: كانت مرجِّلتي تُسكِّنُ شعري، فقال: بلغ من تسكين شعرِك أن تؤْثره على الصلاة، وكتب بذلك إلى والده، فبعث عبد العزيز رسولا إليه، فما كلَّمه حتى حلق شعره".
ـ قال أبو العالية:" كنت أرحل إلى الرجل مسيرة أيام لأسمع منه، فأتفقد صلاته، فإن وجدته يُحسنها، أقمتُ عليه، وإن أجِدُهُ يُضيِّعها رحلت ولم أسمع منه، وقلت: هو لِمَا سواها أضيع".
ـ قال ابن جريج:" كان المسجد فراشَ عطاء عشرين سنة، وكان مِن أحسن الناس صلاة".
فرحم الله رجالا نصبوا أبدانهم لخدمة مولاهم، وكابدوا العبادةَ حتى استمتعوا بها، تجدُ أحدَهم أحرصَ على دينه من حرصنا نحن على ديننا ثم نرجو بعد ذلك النجاة؟؟ ونبغي الخلاص؟؟، ثم ننشد في طرب قائلين: فتشبَّهوا إن لم تكونوا مثلهم * إنَّ التشبه بالكرام فلاح
إنها أحلامٌ، ومحض أوهام، لأجل هذا جاء نكيرهم، وتواتر تشديدهم على من فرَّط الصلاة في الجماعة، وفي غيرها من العبادات بدون عذر سائغ، فقد قال إبراهيم التيميُّ رحمه الله: " إذا رأيتَ الرجل يتهاون بالتكبيرة الأولى فاغسل يَديْك منه " .
- إنَّ هؤلاء الصالحين كانوا بشرا مثلَنا، ولهم أعمالٌ وأولادٌ ومسئوليات، ولكنهم جعلوا من أهمِّ مهماتهم المحافظة على الجماعة في المساجد، فما فاتتهم الدنيا، والله تعالى أعلم بما أعدَّ لهم مِن الأجر في الآخرة، فعلينا أن نسير سيرتهم في المشي إلى المساجد، والمحافظة على الجماعة، والمسابقة على الصف الأول، وإدراك تكبيرة الإحرام؛ ففي ذلك الثواب الجزيل من الله تعالى، والفوز بخيري الدنيا والآخرة.
والحمد لله رب العالمين، وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
تمَّ جمعه وترتيبه وتلخيصه ضحى يوم : الاثنين 25 المحرم 1436هـ الموافق لـ: 15ـ 11ـ 2014م.
الأخ سمير بوقرة